يرى الكاتب بينوي كامبمارك أن المفارقة تجمع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون، رغم خلافاتهما العلنية. فبينما اشتهر بولتون بدعواته المستمرة إلى الحروب وتوسيع النفوذ الأمريكي عبر القوة العسكرية، أظهر ترامب خلال ولايته الثانية ميولًا أكثر اندفاعًا نحو استخدام القوة، خاصة بعد قراره مهاجمة إيران، وهو ما يناقض الصورة التي رسمها لنفسه أمام الناخب الأمريكي.

 

ويشير الكاتب إلى أن ترامب وصف بولتون سابقًا بأنه متطرف في دعواته للحرب، لكنه بدا لاحقًا وكأنه يعكس كثيرًا من الصفات التي انتقدها في مستشاره السابق.

ويؤكد في مقاله الذي نشره موقع ميدل إيست مونيتور أن القضية لم تعد تقتصر على الخلافات السياسية بين الرجلين، بل امتدت إلى تشابه لافت في طريقة التعامل مع الوثائق السرية، بعدما واجه كل منهما اتهامات تتعلق بحيازة معلومات أمنية حساسة خارج الأطر القانونية، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول معايير حماية الأمن القومي الأمريكي.



بولتون يواجه القضاء بسبب الوثائق السرية



يستعرض الكاتب تفاصيل الاتهامات التي لاحقت جون بولتون بعد اكتشاف مذكرات شخصية ووثائق سرية احتفظ بها منذ شغله منصب مستشار الأمن القومي. واحتوت تلك الملفات على معلومات تتعلق بخطط عسكرية أمريكية، وأنشطة استخباراتية، وتقارير تخص دولًا معادية للولايات المتحدة، إضافة إلى بيانات حساسة حول قادة أجانب.



ويربط المقال بين اكتشاف هذه الوثائق واختراق إلكتروني استهدف البريد الشخصي لبولتون، ونسبته السلطات الأمريكية إلى جهات مرتبطة بإيران، بينما انتقدت وزارة العدل عدم إبلاغ بولتون مكتب التحقيقات الفيدرالي بوجود معلومات دفاعية داخل حسابه المخترق.



كما أرسل بولتون بعض الوثائق إلى أفراد من أسرته عبر بريد إلكتروني وتطبيقات مراسلة غير مخصصة للتعامل مع المعلومات السرية، واحتفظ بنسخ أخرى داخل منزله دون تصريح رسمي.



وأمام المحكمة الفيدرالية في ولاية ماريلاند، أقر بولتون بالذنب في إحدى التهم المتعلقة بالاحتفاظ بمعلومات تخص الدفاع الوطني، مقابل إسقاط بقية التهم. ويواجه عقوبة قد تصل إلى خمس سنوات من السجن، إضافة إلى غرامة مالية تبلغ مليونين ومئتين وخمسين ألف دولار، فضلاً عن فقدانه مستحقات التقاعد الفيدرالية.


ترامب بين الاتهامات والحصانة السياسية



يرى الكاتب أن تصريحات مسؤولي وزارة العدل بشأن حماية الأمن القومي تثير مفارقة واضحة عند مقارنة قضية بولتون بملف ترامب، الذي واجه بدوره عشرات الاتهامات المتعلقة بالاحتفاظ بوثائق سرية عقب مغادرته البيت الأبيض.


ويتناول المقال لائحة الاتهام التي نسبت إلى ترامب احتفاظه بمئات الوثائق السرية داخل منتجع مارالاغو في فلوريدا، وشملت معلومات عن القدرات العسكرية الأمريكية وبرامجها النووية ونقاط ضعف الولايات المتحدة وحلفائها، إضافة إلى خطط عسكرية شديدة الحساسية.


لكن القضية انتهت بصورة مختلفة بعدما ألغت القاضية أيلين كانون الدعوى، معتبرة أن تعيين المدعي الخاص جاك سميث خالف الدستور الأمريكي. وبعد عودة ترامب إلى الرئاسة، توقفت الملاحقات القضائية بحكم القواعد التي تمنع مقاضاة الرئيس أثناء وجوده في المنصب، كما حظرت المحكمة نشر التقرير النهائي الخاص بالتحقيق، بحجة أن نشره قد يسبب ضررًا لا يمكن إصلاحه للرئيس.


ويعتبر الكاتب أن هذا التطور يعكس ازدواجية واضحة في تطبيق العدالة، إذ واجه بولتون الإدانة بينما أفلت ترامب من المساءلة رغم تشابه الوقائع في جوهرها.


ثقافة الإهمال الأمني داخل الإدارة الأمريكية


يختتم الكاتب بالإشارة إلى أن سوء التعامل مع المعلومات السرية لم يتوقف عند بولتون وترامب، بل امتد إلى مسؤولين آخرين داخل الإدارة الأمريكية. ويستشهد بحادثة تسريب تفاصيل ضربة عسكرية ضد اليمن عبر مجموعة محادثة على تطبيق "سيجنال"، بعدما أضيف إليها صحفي عن طريق الخطأ، وهو ما كشف معلومات عملياتية حساسة دون أن يقود إلى محاسبة قانونية حقيقية.


ويرى الكاتب أن تعامل ترامب مع بولتون تحكمه اعتبارات شخصية أكثر من كونه دفاعًا عن مبادئ حماية الأمن القومي، خاصة بعدما هاجم مستشاره السابق بسبب كتابه الذي تناول كواليس إدارة البيت الأبيض واتهمه باستغلال معلومات سرية لتحقيق مكاسب شخصية.



ويخلص المقال إلى أن المفارقة الأكبر تكمن في تشابه الرجلين أكثر مما يعترفان، إذ جمعتهما الرغبة في استخدام السلطة لخدمة أهدافهما، كما جمعتهما الاتهامات المتعلقة بسوء إدارة الوثائق السرية، غير أن اختلاف الموقع السياسي لكل منهما أنتج مسارين قضائيين متباينين، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول استقلال العدالة الأمريكية وحدود المساءلة داخل أعلى هرم السلطة.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260627-ironic-fates-bolton-trump-and-mishandling-classified-documents/